سعيد حوي
1692
الأساس في التفسير
بتبيان أنّ الأحقّ بالأمن هو من يعبد اللّه الذي يملك الضّرّ والنفع ، وأن الأحق بالخوف هو الذي لا يعبده ، وأن الذين اجتمع لهم الإيمان والإخلاص والتوحيد هم المستحقون للأمن في الدنيا وفي الآخرة . ثمّ ذكر اللّه - عزّ وجل - أنّ هذه الحجّة منّة من اللّه على إبراهيم ، وبها تقوم الحجة على قومه ، وليس مثل حجّة اللّه حجّة ، وليس مثل علمه علم ، ولكن الكفر يرفض الحجّة لا لقصور فيها بل لعمى وصمم عند أهله . ثمّ ذكر اللّه ما منّ به على إبراهيم من رزقه إسحاق ، بعد أن طعن في السن ، ومن بعده يعقوب بن إسحاق ، وكان هذا مجازاة لإبراهيم عليه السلام حين اعتزل قومه ، وتركهم ، ونزح عنهم ، وهاجر من بلادهم ذاهبا إلى عبادة اللّه في الأرض ، فعوّضه اللّه عن قومه وعشيرته بأولاد صالحين من صلبه ، وعلى دينه ، كإسحاق ويعقوب ، وكلّا منّ عليه بالهداية الكاملة ، التي هي النّبوة والرّسالة ، مثل ما منّ اللّه على نوح عليه السلام من قبل بالهداية الكاملة ، والذريّة الصالحة الباقية ، فكلّ من في الأرض من الخلق ذريّته ، وقد جعل اللّه من ذرية إبراهيم عليه السلام الأنبياء والرّسل الكثيرين : داود ، وسليمان ، وأيوب ، ويوسف ، وموسى ، وهارون ، وزكريا ، ويحيى ، وعيسى ، وإلياس ، وإسماعيل ، واليسع ، ويونس . وكل هؤلاء قد ذكروا في هذا السياق ، وذكر معهم لوط كذلك ، وليس من ذرية إبراهيم الحسّية بل هو من أبنائه في المعنى ، لأنّه قد استجاب لدعوته ، وكما منّ اللّه على هؤلاء بالهداية ، فقد منّ على كثير من آبائهم ، وذريّاتهم ، وإخوانهم بالهداية والاجتباء ؛ وتلك سنة اللّه يهدي من يشاء ممّن استجاب لدعوته ولم يشرك به معه غيره . وفي هذا السياق ذكر اللّه أنّ هؤلاء جميعا لو أشركوا لأحبط اللّه أعمالهم ، وفي ذلك تشديد لأمر الشرك ، وتغليظ لشأنه وتعظيم لملابسته ، وهكذا يتّضح لنا ما منّ اللّه به على إبراهيم ، من التّوحيد والدّعوة إليه ، ورفض الشرك ، وإقامة الحجة على أهله ، وأن ذلك لم يزل دأب المهتدين من قبله ومن بعده وإن الشرك لا يرافقه إلا حبوط العمل ، ثمّ قرّر اللّه - عزّ وجل - أنّ هؤلاء المذكورين قد آتاهم اللّه الكتاب والحكم والنّبوة ، أنعم عليهم بذلك رحمة للعباد ؛ ولطفا منه بالخليقة ، فإن يكفر من كفر بالكتاب والحكمة والنّبوة - كأهل مكة وغيرهم من سائر أهل الأرض من عرب وعجم ومجوس وكتابيين - ، فقد وكّل اللّه بها من لا يكفر بها ، ولا يجحد منها شيئا ، ولا يردّ منها حرفا إلى يوم القيامة ، بل يؤمنون بجميعها محكمها ومتشابهها . ثمّ قرر اللّه - عزّ وجل - أنّ هؤلاء الذين سبق ذكرهم هم أهل الهدى ، فعلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقتدي بهم وبهداهم ، وهو أمر لأمّته جميعا ؛ إذ إنّ أمّته تبع له فيما يشرّعه